الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

220

نفحات الولاية

فقد أشار الإمام عليه السلام في هذا الجانب من خطبته إلى نقطتين مهمتين في سيرة النّبي الأكرم صلى الله عليه وآله ؛ الأولى ، أنّه منتصر دائماً في قتاله لأعدائه ، وهذا دليل واضح على زعامته صلى الله عليه وآله وخططه في مواجهة الأعداء وخصوم الدعوة ، إلى جانب الإمداد الغيبي والعناية الإلهيّة . والأخرى ، أنّ اتحاد الأعداء ووقوفهم بوجهه لم يؤثر على عزمه وإرادته صلى الله عليه وآله ويصرفه عن دعوته ، فكان يحث الخطى - بصبرٍ على المصاعب - نحو هدفه حتى بلغه . ومن الحوادث التاريخية المعروفة عندما جاء رؤوساء قريش إلى أبي طالب وأرادوا أن يكلّموا النبي صلى الله عليه وآله وقالوا له : يا محمّد إنا قد بعثنا إليك لنكلّمك ، وإنا واللَّه ما نعلم رجلًا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك لقد شتمت الآباء ، وعبت الدين ، وشتمت الآلهة ، وسفهّت الأحلام ، وفرّقت الجماعة . . فإن كنت إنّما جئت بهذا الحديث تطلب به مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا ، وإن كنت إنّما تطلب به الشرف فينا فنحن نسوّدك علينا ، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا ، وإن كان هذا التي يأتيتك رئياً تراه قد غلب عليك - وكان يسمّون التابع من الجن رئياً - فربّما كان ذلك بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه ، فقال لهم : « ما جِئتُ بِما جِئتُكُم بِهِ أطلبُ أموالَكُم ولا الشّرف فِيكُم ، ولا المُلك عليكُم ، ولكنّ اللَّه بَعَثَنِي إِلَيكُم رَسُولًا ، وَأَنزَلَ عَليَّ كِتابَاً ، وَأَمِرنِي أنْ أكُونَ لَكُم بَشِيراً ونَذِيراً ، مُبَلِّغُكُم رِسالاتِ رَبّي ونَصحتُ لَكُم ، فإنْ تَقبَلُوا مِنّي ما جِئتُكُم بِهِ فَهَو حَظّكُم فِي الدُّنيا وَالآخرةِ ، وإنْ تَردُّوهُ عَليَّ أصبِر لأمرِ اللَّهِ حَتّى يَحكُمَ اللَّهُ بَيني وَبَينَكُم » « 1 » . وكذلك عندما جاء روءساء قريش إلى أبي طالب وقالوا : أنت شيخنا وكبيرنا وقد آتيناك تقضي بيننا وبين ابن أخيك ، فإنّه سفّه أحلامنا ، وشتم آلهتنا ، فدعا أبو طالب

--> ( 1 ) . سيره ابن هشام ، ج 1 ، ص 317 .